مع تسارع تمدد الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل، لم يعد القلق مقتصراً على تحولات السوق أو تبدّل المهارات المطلوبة، بل بدأ ينعكس مباشرة على الصحة النفسية للعاملين.
واقترحت دراسة حديثة لباحثين من جامعة فلوريدا توصيفاً سريرياً لحالة ناشئة أطلقا عليها اسم "اضطراب الاستبدال بالذكاء الاصطناعي" (AIRD)، في محاولة لفهم ومعالجة الضغوط النفسية المرتبطة بالخوف المستمر من فقدان الوظيفة، بحسب تقرير في موقع "MedicalXpress" العلمي.
وتدعو الدراسة، المنشورة في مجلة Cureus عام 2025، إلى تبني مقاربة طبية جديدة تساعد الأطباء والمعالجين النفسيين على التعرف المبكر إلى هذه الحالة والتعامل معها قبل تفاقمها.
وتوضح ستيفاني ماكنمارا، الباحثة المشاركة في الدراسة وطالبة علم النفس بجامعة فلوريدا، أنها بدأت تلاحظ خلال العام الماضي تزايداً في حالات التسريح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار لديها تساؤلات حول التداعيات النفسية بعيدة المدى لهذه الظاهرة.
وتقول إن التحول المتسارع في طبيعة الوظائف عبر قطاعات متعددة خلق شعوراً متنامياً لدى بعض العاملين بأنهم قد يصبحون "غير ذوي صلة" في سوق العمل؛ وهو شعور قد يتحول إلى ضغط نفسي مزمن.
وبحسب الإطار المقترح، قد يظهر اضطراب AIRD في صورة تغيرات معرفية وعاطفية متعددة، من بينها القلق المستمر، والأرق، والشك المفرط أو الريبة، وإنكار أهمية الذكاء الاصطناعي، وفقدان الهوية المهنية، والشعور بانعدام القيمة، والاستياء واليأس.
غير أن الباحثين يحذرون من أن هذه الأعراض قد تتداخل مع اضطرابات نفسية أخرى، مثل اضطرابات القلق أو الاكتئاب، ما يستدعي تطوير أدوات فحص دقيقة تميّز بين الحالات المختلفة.
ورغم أن AIRD لم يُدرج بعد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، فإن الدراسة تشير إلى إمكانية إدراج أسئلة محددة ضمن التقييمات الروتينية لرصد مؤشرات هذا النوع من القلق المرتبط بالتحول التقني.
من جانبه، يصف الدكتور جوزيف ثورنتون، أستاذ الطب النفسي الإكلينيكي في الجامعة، إزاحة العمال بفعل الذكاء الاصطناعي بأنها "كارثة غير مرئية"، مشيراً إلى أن تأثيراتها النفسية قد تمتد إلى ما هو أبعد من مكان العمل.
ويؤكد أن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على العلاج الفردي داخل العيادات، بل يجب أن تشمل دعماً مجتمعياً وتعاوناً بين المؤسسات الصحية والتعليمية وصناع السياسات، لضمان حماية الصحة النفسية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
ويرى الباحثان أن المرحلة الحالية تمثل فرصة نادرة للاعتراف المبكر بهذه الظاهرة قبل أن تتسع آثارها. فمع استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل سوق العمل، قد يصبح فهم الضغوط النفسية المصاحبة له ضرورة صحية لا تقل أهمية عن النقاشات الاقتصادية.
وتعمل ماكنمارا حالياً على تطوير مشروع بحثي موسع لجمع بيانات منهجية حول AIRD، بهدف تعزيز الاعتراف السريري بالحالة ووضع أسس علاجية أكثر دقة.. وفي زمن تتسارع فيه الخوارزميات، يبدو أن التحدي لا يكمن فقط في مواكبة التكنولوجيا، بل في حماية التوازن النفسي للإنسان وهو يواجه مستقبلاً مهنياً شديد التحول.