شهدت الساعات الأخيرة ظاهرة لافتة انتبه إليها الملايين من مستخدمي الهواتف الذكية في مصر، حيث تلقت أجهزتهم إشعارات تحذيرية عاجلة تنبههم إلى وقوع زلزال قبل لحظات معدودة من شعورهم الفعلي بالهزة الأرضية.
وأثار هذا التزامن الدقيق عاصفة من التساؤلات والجدل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي حول مدى تطور الهواتف الذكية وقدرتها على التنبؤ بالكوارث الطبيعية قبل وقوعها، والكواليس التقنية التي تقف خلف هذه الرسائل الخاطفة، وهو ما أوضحته مجموعة من الخبراء والمتخصصين لـ"العربية.نت" و"الحدث. نت".
من جانبه، نفى الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، فكرة قدرة الهواتف على التنبؤ بالمستقبل، مشدداً على أن العلم الحديث لم يتوصل بعد إلى آلية تتيح التنبؤ الدقيق بموعد ومكان وقوع الزلازل بشكل مسبق، موضحاً أن ما يشهده المستخدمون هو أحد أبرز تطبيقات أنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وعن الآلية التقنية التي تعتمد عليها الأجهزة، أشار الدكتور محسن رمضان إلى أن كل هاتف ذكي يحتوي على مستشعر ميكروسكوبي يسمى مقياس التسارع، وهو المسؤول بالأساس عن تحديد اتجاه الجهاز وعدد الخطوات وتدوير الشاشة تلقائياً، مضيفاً بالقول: "عندما ينشط الزلزال، تنطلق منه أولاً موجات سريعة وضعيفة الشدة تسمى (P-Waves) لا يشعر بها معظم البشر وتعرف بالموجات الأولية، والتي تصل قبل الموجات الثانوية والسطحية المدمرة".
وأضاف أنه عند استشعار آلاف أو ملايين الأجهزة في نطاق جغرافي موحد لهذا النمط من الاهتزاز في الوقت نفسه، تبدأ خوارزميات الذكاء الاصطناعي بمعالجة البيانات فوراً للتأكد من كونه زلزالاً حقيقياً وليس مجرد سقوط للهاتف أو حركة عادية.
وأوضح رمضان أنه بعد معالجة البيانات، يحدد النظام مركز الزلزال وقوته واتجاه انتشاره، ثم يرسل تنبيهات عاجلة خلال ثوانٍ معدودة للمستخدمين في المناطق المهددة، وهي ثوانٍ قد تكون فارقة في إخلاء المباني أو حماية الأطفال وكبار السن أو الابتعاد عن النوافذ والمصاعد.
وحول سبب وصول التنبيه قبل الشعور بالهزة، كشف الدكتور محسن رمضان أن الإشارات الرقمية وشبكات الاتصالات تنتقل بسرعة هائلة تفوق سرعة الموجات الزلزالية المادية التي تتحرك داخل الأرض، مما يمنح التكنولوجيا سبقاً زمنياً يفرق كثيراً على صعيد إنقاذ الأرواح.
وعن كيفية الاستفادة من هذه الخدمة، أوضح أنه يمكن لمستخدمي الهواتف التي تعمل بنظام أندرويد الدخول إلى إعدادات الهاتف، ثم الانتقال إلى قسم الأمان والطوارئ، واختيار تنبيهات الزلازل وتفعيلها، أو البحث عن كلمة زلزال في خانة البحث بالإعدادات.
وتابع أنه ينبغي التأكد من تحديث نظام التشغيل وتفعيل خدمات تحديد الموقع والاتصال بالإنترنت مع السماح بالإشعارات، أما بالنسبة لأجهزة آيفون، فيقول رمضان إن الشركة لا تتيح نظاماً عالمياً مدمجاً بالطريقة نفسها للجميع، لكن يمكن استقبال التنبيهات عبر إشعارات الطوارئ الرسمية للدولة أو من خلال تطبيقات متخصصة ومصرح بها.
في سياق متصل، أكد الدكتور محمد عسكر، استشاري نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي، أن الرسائل التي وردت لمستخدمي الهواتف في مصر تعد تطبيقاً عملياً لأحدث التقنيات العالمية في الاستجابة للكوارث الطبيعية، مشيراً في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت" إلى أن الهاتف لم يعلم بالزلزال قبل وقوعه، بل تلقى الإشعار بعد أن بدأ الزلزال بالفعل في مركز نشأته وقبل أن تصل موجاته القوية إلى موقع المستخدم، اعتماداً على فارق السرعة بين الموجات الأولية السريعة الأقل تأثيراً والموجات السطحية التي تعقبها وتسبب الاهتزازات الشديدة.
وأضاف عسكر أن المسافة تلعب دوراً جوهرياً، فالشخص الذي يبعد مسافات طويلة عن بؤرة الزلزال قد يتلقى التحذير قبل شعوره بالهزة بفارق زمني يتوقف على مدى بعده عن المركز، كاشفاً أن نظام الإنذار المبكر لا يكتفي بمحطات الرصد الرسمية، بل يحول ملايين الهواتف الذكية الموصولة بالشبكة إلى مجسات إضافية، حيث تنقل الاهتزازات المتشابهة إلى قواعد البيانات السحابية للتحقق منها وإصدار التحذير اللحظي.
واختتم استشاري الذكاء الاصطناعي حديثه بالإشارة إلى أن الأجهزة الذكية أصبحت تتجاوز مفهوم أدوات الاتصال التقليدية لتشكل جزءاً أساسياً من البنية التحتية للسلامة العامة، مؤكداً أن الفارق الزمني المكتسب قد ينقذ المنشآت الحيوية عبر إيقاف القطارات تلقائياً وإبطاء حركة المصاعد وتعليق الأنشطة الصناعية الدقيقة، بشرط توافر شبكات اتصال قوية ووعي مجتمعي سريع للتعامل مع هذه التحذيرات.