من المعروف أن السلام الداخلي صعب المنال. ويؤكد علم النفس أن المشكلة ليست في قلة الجهد المبذول، بل في السعي الدؤوب لاكتساب هذا السلام، حيث إن السلام الداخلي ليس شيئاً يُنال بالعمل الجاد، بل هو نتاج التخلي، وفقاً لما نشره موقع Global English Editing. وبينما يمكن أن يظن المرء أن السلام الداخلي مكافأة على كل الجهد الذي يبذله لبلوغه، إنما علم النفس يرشد إلى اتجاه مختلف، كما يلي:
في الحقيقة يدور الأشخاص في حلقة مفرغة في سعي وراء السلام الداخلي. وتُروّج كتب التنمية الذاتية والندوات وورش العمل الإلكترونية التي لا تُحصى لقوة المثابرة والعمل الجاد في سبيل هذا السلام. وهذا الاعتقاد مُتأصِّل في العقول لدرجة أنه حتى عندما يتعلق الأمر بالسلام الداخلي، يمكن أن يعتقد الشخص أنه شيءٌ يتطلب العمل بجدٍّ من أجله. ولكن كلما حاول جاهداً أن يصل للسلام الداخلي بدا أنه يبتعد أكثر. يرجح علم النفس نهجاً مختلفاً: الاستسلام، إذ إن السعي وراء السلام أكثر إرهاقاً من جدواه، وله ثمن باهظ على الصحة النفسية. بدلاً من السعي وراء السلام الداخلي ومحاولة كسبه، يمكن أن يستطيع الشخص جذبه ببساطة عن طريق التخلي عن السعي له.
من واقع التجارب الشخصية، تؤدي المحاولات المحمومة لإيجاد السلام بنتائج عكسية كارثية. يمكن أن يبذل الشخص قصارى جهده للاقتراب من حالة السكينة من خلال ممارسة اليوغا والتأمل ومضغ الطعام بتمعن حتى آخر لقمة. لكن المفارقة تكمن في أنه كلما حاول الشخص انتزاع السكينة، ازداد قلقاً، وكلما سعى جاهداً للهدوء، ازداد ضجيجه الداخلي. في المقابل، فإن الاستسلام وتقبل الذات كما هي والسماح للحياة بأن تسير بانسيابية، يؤدي إلى تغيير النظرة للأمور، فالسلام ينبع من الداخل، وليس شيئاً يُكتسب بإنجاز قائمة مهام.
عندما يتشتت الذهن باستمرار بين المهام والسعي للسلام، فإنه يُهيأ للفشل. كلما حاول الشخص حشر السلام الداخلي في جداوله المزدحمة وقوائم مهامه، كلما أصبح أكثر صعوبة. بدلاً من إرهاق النفس بهذا الجهد الذهني المضني، ينبغي الاستسلام للحظة الحاضرة واحتضان التجارب كما هي دون التشبث بأي نتيجة مرغوبة - هنا يكمن السلام الحقيقي.
يحتاج البشر للسيطرة على محيطهم. لكن تتسرب هذه الحاجة للسيطرة إلى السعي للسلام الداخلي أيضاً. يحاول الشخص بشكل متناقض فرض حالة تحتاج أساساً إلى الحرية لتزدهر. عملياً، بدلاً من تجاهل ضجيج المرور أثناء التأمل، يمكن الاعتراف به وتقبّله، وسيجد الشخص حينها أنه أقل قابلة على الإزعاج أو تشتيت الانتباه. كذلك، بدلاً من الصراع مع الأفكار والمشاعر السلبية، يمكن ببساطة مراقبتها دون إصدار أحكام. ففي اللحظة التي يقاوم الشخص فيها، يمنح هذه العناصر السلبية قوة، بينما التخلي عن المقاومة يُجرد الشخص من هذه السلبية.
يحمل الكثيرون أعباءً عاطفية ثقيلة، مليئة بجراح الماضي وخيبات الأمل والإخفاقات والمعتقدات السلبية عن الذات. وامتلاك الشجاعة للتخلص من هذا العبء العاطفي جزء أساسي من إيجاد السلام. يتضمن ذلك الاعتراف بالماضي ومسامحة النفس والآخرين. والتخلي عن الضغائن القديمة وخيبات الأمل الماضية لا يعني إنكار ألم الماضي، بل يعني التخلي عن ثقله. التخلي هو في جوهره تحرير للنفس وللعقول وللقلوب.
يعاني البعض من صراع مع صوت مزعج لا ينقطع في الرأس. يتخذ أشكالاً عديدة، لكنه يهمس غالباً: "أنت لستَ جيداً بما فيه الكفاية" و"أنت لا تستحق السلام" و"سيكتشف الناس حقيقتك"، مما يزعزع ثقتهم بأنفسهم ويقلق سلامهم الداخلي. ومحاولة مجادلة هذا الصوت وإسكاته بالمنطق تزيده قوةً وإصراراً. لكن في الواقع إن هذا الصوت الداخلي لا يملك قوة إلا إذا سُمح له بذلك.
إن أحد أكبر مصادر القلق عند الإنسان هو الحاجة إلى اليقين والأمان. منذ فجر البشرية، اعتمد البقاء على القدرة على التنبؤ بالبيئة والتحكم فيها وفهمها. يمتد هذا الاحتياج للسيطرة غالباً إلى السعي نحو السلام الداخلي أيضاً. ينسى الكثيرون أن المستقبل غامض بطبيعته، ولا يمكن لأي قدر من التخطيط أو وضع الاستراتيجيات أن يضمنه حقاً. يتجذر القلق عندما يحاول الشخص السيطرة على هذا المستقبل الخارج عن السيطرة بطبيعته. ولهذا تبرز أهمية الاستسلام لغموض الحياة على أن يؤخذ في الاعتبار أن الأمر لا يعني التوقف عن التخطيط أو اللامبالاة، بل هو إقرار بأن بعض الأمور ستبقى خارجة عن السيطرة، رغم بذل قصارى الجهد.
يتصور البعض السلام الداخلي كمسرح مثالي أو كحالة من النعيم حيث لا يوجد شعور بالقلق ولا مجال لتسلل السلبية، بما يرسم حالة يسودها الهدوء والسكينة. لكن هذه ليست الحياة الواقعية. فالحياة مليئة بالفوضى والعيوب الجميلة. إنها رحلة متقلبة من المشاعر - السعادة والحزن والغضب والفرح والخوف والحماس. وبالتالي فإن توقع حالة من السلام الدائم، خالية من هذه التقلبات، تكون أمراً غير واقعياً ومملاً.
وإدراك أن السلام ليس غاية بل رحلة هو الأداة الأمثل، بمعنى أن فهم أن السلام الحقيقي هو الرضا بفوضى الحياة بتقلباتها وادراك أنه لا بأس ألا يملك المرء إجابات لكل شيء، وأنه من المرجح أن يمر بأيام عصيبة وأن يفشل وألا يلبي توقعات الجميع، وأن يكون بشراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هنا تكمن قوة الاستسلام. الأمر لا يتعلق بالسعي الدؤوب نحو الكمال، بل بإيجاد الرضا والسلام وسط الفوضى والنقص.