ملوخية وبط ومحاشي.. أطباق تتوارثها موائد المصريين في رمضان منذ ألف عام


القاهرة: عمرو السعودي 19/02/2026 12:54 PM

مع حلول أول أيام شهر رمضان في مصر، تتبدل ملامح الشوارع والبيوت وتفوح روائح الطعام من المطابخ معلنة بدء موسم من الطقوس المتجذرة في وجدان المصريين منذ قرون طويلة.

ولم تعد موائد الإفطار في مصر مجرد وجبات يومية، بل هي امتداد لذاكرة شعب تعاقبت عليه حضارات متعددة، من عصور الفراعنة مروراً بالعصرين الفاطمي والمملوكي، وصولاً إلى يومنا هذا.

وفي هذا الشهر الكريم، تتجدد العادات و تتوارث الأجيال وصفات تقليدية يقال إن بعضها يمتد لأكثر من ألف عام، بينما تعود جذور وجبات أخرى إلى زمن المصريين القدماء حيث تجتمع الأسر حول أطباق مثل الشوربة والفتة والكنافة، في مشهد سنوي يعكس خصوصية الشخصية المصرية وحرصها على الحفاظ على تراثها الغذائي والروحي معاً.

أكلات مصرية - آيستوك
أكلات مصرية - آيستوك

من زمن المصريين القدماء

وقالت الدكتورة منال عز الدين، الباحثة بمعهد تكنولوجيا الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية، في تصريح خاص لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إن المصريين يتميزون بطابع خاص في وجبات شهر رمضان، حيث تمتزج العادات الغذائية بالتراث التاريخي الممتد عبر آلاف السنين.

وأوضحت أن كثيراً من الأطباق التي تتصدر مائدة الإفطار تعود جذورها إلى عصور قديمة، بعضها إلى زمن المصريين القدماء الذين عرفوا تربية الطيور ومنها البط، وكانوا يحرصون على تقديمه في المناسبات السعيدة والتجمعات العائلية، وهو ما انعكس على استمرار عادة طهي البط والملوخية والمحشي في أول أيام رمضان باعتباره مناسبة احتفالية كبرى لدى الأسر المصرية.

وأضافت أن المطبخ المصري في رمضان لا يقتصر على طبق بعينه، بل يضم باقة واسعة من الأكلات التراثية التي توارثها الأجيال، مثل المحاشي بأنواعها المختلفة، وطبق الملوخية الذي يعد من الأطباق ذات الخصوصية في الثقافة الغذائية المصرية، فضلاً عن أطباق الأرز والفتة واللحوم التي ترتبط بالتجمعات العائلية.

كركديه - مشروبات رمضانية - آيستوك
كركديه - مشروبات رمضانية - آيستوك

خشاف.. وعرق سوس.. وقمر الدين

وأشارت إلى أن المشروبات الرمضانية تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الغذائية في هذا الشهر، ومنها "الخشاف" الذي يجمع بين التمر والفواكه المجففة، ومشروب العرقسوس، إضافة إلى القمر الدين الذي ارتبط اسمه بشهر رمضان عبر عقود طويلة.

وأكدت أن هذه المشروبات لا تقتصر على كونها تقليداً اجتماعياً، بل تسهم أيضاً في تعويض الجسم بالسوائل والطاقة بعد ساعات الصيام.

وفيما يتعلق بالحلوى، أكدت أن القطايف والكنافة تظلان الأشهر على مائدة رمضان، رغم تطور طرق إعدادها وتنوع حشواتها في العصر الحديث، إلا أن جذورهما التاريخية تعود إلى العصر الفاطمي في مصر، حيث ارتبطتا بالمناسبات والاحتفالات الدينية، واستمر حضورهما حتى اليوم كجزء من الطقوس الرمضانية الثابتة.

فول مدمس - أكلات مصرية - أيستوك
فول مدمس - أكلات مصرية - أيستوك

فول السحور

أما عن وجبة السحور، فأوضحت أن طبق الفول يعد الوجبة التراثية الأبرز، نظراً لاحتوائه على البروتين والألياف التي تمنح الإحساس بالشبع لفترة أطول، إلى جانب الزبادي والبيض والخضروات، مشددة على أهمية الاعتدال في تناول الطعام خلال الشهر الكريم، وتجنب الإفراط في الدهون والسكريات، للحفاظ على الصحة وتحقيق الاستفادة الروحية والجسدية من الصيام.

من جانبه، قال الأثري سامح الزهار، المتخصص فى الآثار الإسلامية، لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إن كثيراً من العادات الرمضانية الراسخة في وجدان المصريين اليوم تعود جذورها إلى العصر الفاطمي، حين أصبحت القاهرة مركزاً للاحتفالات الدينية والمواسم الرسمية التي اتخذت طابعاً شعبياً واسعاً.

وأوضح أن الدولة الفاطمية أولت شهر رمضان اهتماماً خاصاً، فكانت تقيم المواكب الرسمية احتفالاً بثبوت رؤية الهلال، وتضاء الشوارع والمساجد بالمشاعل والفوانيس، وهو ما رسخ تقليد الفانوس الرمضاني الذي لا يزال حاضراً حتى اليوم كأحد أبرز رموز الشهر الكريم في مصر.

مائدة المطرية
مائدة المطرية

"موائد الرحمن"

وأشار إلى أن الخلفاء الفاطميين كانوا يحرصون على إقامة موائد عامة لإطعام الفقراء وعابري السبيل، فيما عرف بـ"موائد الرحمن"، وهي عادة اجتماعية استمرت وتطورت عبر العصور.

وأضاف أن بعض الأطعمة والحلوى ارتبطت أيضاً بالعصر الفاطمي، مثل الكنافة والقطايف، حيث كانت تعد في الاحتفالات والمناسبات الدينية، ثم انتقلت من القصور إلى عامة الناس، لتصبح جزءاً أصيلاً من المائدة الرمضانية. كما عرفت القاهرة في ذلك الوقت الأسواق الليلية التي تنشط بعد الإفطار، وهي صورة مبكرة للأجواء التي لا تزال تميز ليالي رمضان حتى الآن.

وأكد الزهار أن أهمية هذه العادات لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، بل في استمرارها كجزء من الهوية الثقافية للمجتمع المصري، حيث امتزج التراث الديني بالاجتماعي، وتحولت طقوس العصر الفاطمي إلى تقاليد شعبية متوارثة تمنح رمضان في مصر طابعاً خاصاً.


المصدر : alarabiya.net تاريخ النشر : 19/02/2026 12:54 PM

Min-Alakher.com ©2026®