هل انتهى عصر الأطروحات؟.. نظام صيني جديد يمنح الدكتوراه دون كتابة ورقة علمية


الرياض - العربية Business 15/02/2026 12:56 PM

في مشهد غير مألوف داخل قاعات المناقشة الأكاديمية، وقف الباحث الصيني تشنغ ههوي الشهر الماضي أمام لجنة الحكم في جامعة جنوب شرق الصين بمدينة نانجينغ ليدافع عن أطروحته لنيل الدكتوراه. لكن الرجل لم يقدم المجلد السميك المعتاد، ولم يحمل بين يديه عشرات الصفحات المليئة بالمعادلات والنظريات، وبدلاً من ذلك، جاء حاملاً نتاجاً ملموساً عبارة عن مجموعة من كتل فولاذية مدعمة تشبه مكعبات "ليغو"، يمكن تركيبها لتشكيل دعامة هائلة لجسر ضخم.

هذا الابتكار لم يبق نموذجاً نظرياً. فكتل تشنغ أصبحت اليوم جزءاً رئيسياً من جسر معلق هائل يقطع نهر اليانغتسي، ويجمع بين الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية، ما يجعل أطروحته تطبيقاً حياً على أرض الواقع... لا نصاً على رف مكتبة.

تشنغ يمثل تحولاً جذرياً في رؤية الصين للتعليم العالي. فهو أحد أوائل طلاب برنامج "الدكتوراه العملية"، الذي يسمح – وفق قانون صدر عام 2024 – بالحصول على درجة الدكتوراه في الهندسة عبر ابتكار منتج جديد أو تقنية قابلة للاستخدام أو إنجاز مشروع هندسي ضخم، من دون الحاجة إلى كتابة الأطروحة التقليدية، بحسب ما نقله موقع "ZME Science"، واطلعت عليه "العربية Business".

هذا التحول ليس أكاديمياً فقط، بل يحمل خلفه رؤية استراتيجية. ففي ظل الضغوط التكنولوجية والعقوبات الغربية والحرب التجارية مع الولايات المتحدة، تسعى الصين إلى إعادة هندسة المهندسين أنفسهم، وتوجيه البحث العلمي نحو ما يمكن لمسه وبناؤه واستخدامه... لا ما ينشر فقط.

من "النشر أو الفناء" إلى ابتكار المنتجات

لفهم سبب الثورة في نظام الدكتوراه الصيني، لا بد من العودة إلى أحد أكبر التحديات التي واجهت الصين أكاديمياً، وهو "هوس العدد".

ففي عام 2022، تصدرت الصين العالم في كمية الأبحاث المنشورة وعدد الدراسات ذات التأثير العالي. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام بدت لوهلة إنجازاً ضخماً، إلا أنها أخفت وراءها أزمة عميقة. إذ قاد الضغط المتزايد للنشر – حيث كانت المكافآت والترقيات تعتمد على عدد الأبحاث – إلى ظهور السوق السوداء للمقالات العلمية أو ما يعرف ب"مصانع الورق". هذه المؤسسات كانت تبيع أبحاثاً جاهزة، أو بيانات ملفقة، أو حتى أماكن للمؤلفين في دراسات علمية مقابل آلاف الدولارات.

ومع تفاقم الأزمة، بدأت المجلات الدولية تسحب (تعيد) آلاف المقالات. ففي عام 2023 وحده، تم سحب أكثر من 10 آلاف ورقة بحثية حول العالم، نسبة كبيرة منها باحثون صينيون. ووصل الأمر في 2024 إلى قيام إحدى المجلات بسحب 18 دراسة صينية دفعة واحدة بسبب مخالفات أخلاقية، بينما اضطرت دور نشر أخرى لإلغاء أعداد كاملة غمرتها الأبحاث المزيفة.

هكذا ولدت ظاهرة "جنرالات الورق" – باحثون يملكون سجلاً ضخماً من الأبحاث، لكنه يتهاوى عند أول اختبار عملي.

الصين تسقط اقتصاد الورق

إلغاء الأطروحة التقليدية هو بمثابة ضربة مباشرة للاقتصاد الموازي للمقالات العلمية. فمع إمكانية التخرج عبر ابتكار جهاز أو تقنية أو نظام هندسي، لم يعد شراء أوراق بحثية أو الاشتراك في "مصانع الورق" ذا معنى. باتت القاعدة الجديدة بسيطة: إذا تمكنت من بناءه... فلا تحتاج إلى كتابة ورقة عنه.

وتقول الحكومة إن الهدف هو القضاء على "العلم الزومبي"، أو الأبحاث التي لا فائدة منها سوى أن يستشهد بها باحثون آخرون.

سد الفجوة بين النظريات والورش

الصين، التي تريد تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات حساسة مثل الرقائق الإلكترونية والحوسبة الكمية، أدركت أن امتلاك آلاف الأبحاث لا يعني امتلاك التكنولوجيا نفسها. إذ أكد علماء محليون أن هناك فجوة واسعة بين المعرفة النظرية التي يتعلمها الطلاب في القاعات، وبين المهارات العملية التي تحتاجها السوق.

منذ إطلاق البرنامج الجديد، حصل 11 مهندساً على الدكتوراه العملية، شملت ابتكاراتهم كل شيء من كتل الجسور إلى منظومات الإطفاء لطائرات الإقلاع المائي.

من بين الرواد أيضاً الباحث وي ليانفنغ، الذي طور تقنيات لحام متطورة بالليزر ومعدات تصنيعها، وكان أول من يتخرج من جامعة هاربين للتكنولوجيا ضمن هذا الإطار.

برنامج "المهندس المتميز"... صناعة كتائب من العقول التقنية

تربط الحكومة الصينية هذا التحول بضرورات الأمن القومي. فهي تستهدف المشكلات التي تعد "عنق زجاجة" للصناعة الصينية، خصوصاً في التكنولوجيا المتقدمة.

ومنذ 2022، تم إطلاق برامج تجريبية في 18 مجالاً استراتيجياً، تشمل الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والرقائق. وتشير الأرقام إلى:

  • إنشاء 50 كلية جديدة للدراسات الهندسية
  • تسجيل 20 ألف طالب في المبادرة
  • مشاركة 60 جامعة وأكثر من 100 شركة
  • تعاون جامعة تشينغهوا وحدها مع 56 شركة
  • تسجيل 100 براءة اختراع عبر طلابها المشاركين

وقد جاء قانون 2024 ليكمل المنظومة، من خلال الاعتراف رسمياً بالأطروحة العملية كمسار بديل للدكتوراه.

نظام إشراف مزدوج لضمان الجودة

ولتفادي تحول الدكتوراه العملية إلى دكتوراه سهلة، فرضت الجامعات نموذج إشراف جديداً يقوم على مسارين:

  • مشرف أكاديمي يضمن الصرامة العلمية
  • مشرف صناعي يمتلك خبرة ميدانية ويقيم قابلية التطبيق

وبحسب خبراء، يجب على مشاريع الدكتوراه العملية إثبات فعاليتها في ظروف عمل حقيقية، بعكس برامج الدكتوراه الصناعية في أوروبا والولايات المتحدة، التي لا تزال تتطلب أطروحة مكتوبة.

تحديات تقويم "ما يمكن لمسه"

ورغم الحماس للبرنامج الجديد، تواجه الجامعات تحديات صعبة. فالحكم على جودة أطروحة مكتوبة أسهل بكثير من تقييم آلة أو تقنية أو نظام لحام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتقدير قيمتها الصناعية أو تأثيرها.

ومع أن عدد الحاصلين على الدكتوراه العملية لا يزال ضئيلاً مقارنة ب97 ألف طالب دكتوراه تخرجوا في الصين عام 2024، إلا أن المؤشرات المبكرة تشير إلى إقبال كبير من طلاب الهندسة، إذ تقدم 67 منهم للحصول على الدرجة عبر المسار التطبيقي.

ويعتقد متخصصون أن هذا النهج الجديد لن يمتد إلى العلوم الأساسية حيث تبقى النظرية محوراً أساسياً، لكنه قد يتوسع ليشمل المجالات الهجينة مثل تصميم الأجهزة الطبية المتقدمة وأنظمة التشخيص الذكية.


المصدر : alarabiya.net تاريخ النشر : 15/02/2026 12:56 PM

Min-Alakher.com ©2026®