استخدمت شركة أوبن إيه آي نموذجها اللغوي الكبير الجديد GPT-5.6 Sol في "شات جي بي تي" لحل مسألة رياضية استعصى حلها على البشر لأكثر من نصف قرن. وكل ما تطلبه الأمر كان إخبار الذكاء الاصطناعي بألا يستسلم.
وتزامن إعلان الشركة عن إثبات "حدسية الغطاء المزدوج للدورات" (Cycle Double Cover Conjecture) مع الإطلاق العام الكامل للنموذج يوم الجمعة الموافق 10 يوليو. ويُقصد بـ"الحدسية" الادعاء الرياضي الذي يُعتقد أنه صحيح بناءً على أدلة كثيرة لكنه لم يُثبت بعد.
ويُظهر هذا الإنجاز كيف تستثمر "أوبن إي آي" وغيرها من شركات الذكاء الاصطناعي بكثافة في الرياضيات البحتة باعتبارها وسيلة لقياس مدى تقدم هذه التكنولوجيا في الاستدلال، وكذلك المسارات غير المتوقعة التي تتخذها هذه الجهود في كثير من الأحيان، بحسب تقرير لمجلة "ساينتفيك أميركان" المتخصصة في العلوم، اطلعت عليه "العربية Business".
وقال نوغا ألون، عالم الرياضيات بجامعة برينستون: "إنها حدسية معروفة حظيت باهتمام كبير على مر السنين، والمثير للدهشة أن البرهان (كان) قصيرًا".
ووصف ألون هذا الإنجاز بأنه "مثال آخر مثير للإعجاب يُظهر أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستُغير - بل وتُغير بالفعل – أبحاث الرياضيات بشكل كبير".
تتعلق الفرضية بالرسوم البيانية. فالـ"رسم البياني" هو ببساطة مجموعة من النقاط (تسمى الرؤوس أو Vertices) المتصلة بخطوط (تسمى الحواف أو Edges). وقد استُخدمت البراهين الرياضية المتعلقة بالرسوم البيانية في العديد من الشبكات الواقعية، بما في ذلك الإنترنت.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، افترض عدد من علماء الرياضيات بشكل مستقل أن أي رسم بياني تقريبًا يمكن تخيله يمتلك غطاءً مزدوجًا للدورات.
أما الدورة (Cycle) فهي ببساطة مسار داخل الرسم البياني ينتهي عند النقطة التي بدأ منها، بينما يشير الغطاء المزدوج للدورات (Cycle Double Cover) إلى مجموعة خاصة من المسارات المغلقة التي تغطي الرسم البياني بالكامل مرتين بالضبط، بحيث تكون كل حافة جزءًا من مسارين مغلقين فقط.
وعلى مدار السنوات، حاول عدد من أبرز علماء الرياضيات إثبات هذه الفكرة التي طرحها أسلافهم. وقد نجحوا بالفعل في إثباتها في عدد من الحالات الخاصة، لكنهم لم يتمكنوا أبدًا من إثباتها في صورتها العامة.
ويبدو أن البرهان الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي قد حسم المسألة، إذ يُظهر أن أي رسم بياني تنطبق عليه الحدسية يمكن تغطيته مرتين باستخدام ما لا يزيد على ثماني حلقات مختارة بعناية.
وقال أندرو ساذرلاند، عالم الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إنه بمجرد أن تُعرف مسألة ما بصعوبتها، قد يُقلل الخبراء والطلاب من الوقت المُخصص لها. وهذا قد يجعل صعوبة المسألة المتصورة بمثابة نبوءة تحقق نفسها بنفسها.
ويضيف: "أعتقد أننا سنستمر في رؤية أمثلة على ذلك - مسائل يُفترض أنها "صعبة" ولها حلول "سهلة" تم التوصل إليها بواسطة نماذج التعلم الآلي".
ونشرت "أوبن إيه آي" الطلب النصي الذي أدى إلى الوصول إلى البرهان الناجح. ويكشف هذا الطلب عن بعض الحيل غير التقليدية التي اكتشفها المهندسون لدفع روبوتات الدردشة إلى التعامل مع المسائل الرياضية.
وقال ساذرلاند: "معظم ذلك الطلب كان عبارة عن هيكل توجيهي يهدف إلى دفع النموذج اللغوي الكبير إلى بذل الجهد اللازم بالفعل لحل المسألة".
ووجّه المهندسون النموذج إلى توزيع المهام على ما يصل إلى 64 وكيلًا يعملون بالتوازي. ويُعد دمج جهود العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتواصل فيما بينها طريقة معروفة للحد من البراهين الخاطئة والمراجع المختلقة.
كما طلبوا منه ألا يرفض المسألة ببساطة باعتبارها غير محلولة، وبالتالي من غير المرجح أن يكون لها حل.
وربما كان الأهم من ذلك أنهم قدموا له تشجيعًا واضحًا، إذ جاء في الطلب: "اقضِ ما لا يقل عن 8 ساعات في هذه المسألة قبل أن تفكر حتى في العودة أو الاستسلام".
ويتماشى ذلك مع التجارب الشخصية التي يرويها العديد من علماء الرياضيات عند استخدام النماذج اللغوية الكبيرة، حيث يحاول الذكاء الاصطناعي أحيانًا التهرب من البحث عن براهين جديدة من خلال الإشارة إلى محاولات البشر الفاشلة.
ويبدو أن النهج الصحيح في التعامل معه يشبه إلى حد كبير أسلوب المعلم في المدرسة، وهو مزيج من التشجيع الإيجابي والتعليمات الحازمة.