خيّم الحزن على الوسط الفني في مصر صباح اليوم الاثنين، برحيل الموسيقار الكبير هاني شنودة "عرّاب الموسيقى وصانع النجوم" عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد مسيرة حافلة طوّر خلالها شكل الأغنية والموسيقى التصويرية المصرية.
ومع رحيل شنودة، تبقى النغمات الأيقونية الخالدة التي صنعها شاهدة على العصر، وتحديداً تلك الرحلة الاستثنائية التي جمعته بـ "زعيم" السينما العربية، الفنان عادل إمام.
لم تكن العلاقة بين هاني شنودة وعادل إمام مجرد زمالة عمل عابرة، بل كانت "خلطة سرية" غيّرت مجرى السينما الواقعية والدرامية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. حيث التقى الثنائي في 12 عملاً سينمائياً بارزاً، ففي الوقت الذي كان يبحث فيه عادل إمام عن تغيير جلده السينمائي والابتعاد عن الكوميديا الصرفة، وجد ضالته في عبقرية شنودة الموسيقية ليصنعا معاً روائع لا تموت.
ففي بداية الثمانينيات، قرر عادل إمام خوض مغامرة كبرى بتقديم فيلم "المشبوه" مع المخرج سمير سيف. كان الفيلم بمثابة تحول درامي حاد في مسيرة إمام نحو أفلام الحركة والتراجيديا، وكان التحدي الأكبر أمام هاني شنودة هو صياغة موسيقى تصويرية تُقنع الجمهور بأن "نجم الكوميديا الأول" بات يعيش صراعاً إنسانياً مريراً ومطاردات تحبس الأنفاس.
نجح شنودة بامتياز، وجاءت الموسيقى لتعزز مشاعر الخوف، الترقب، والندم، مما جعل الموسيقى شريكاً أساسياً في النجاح التجاري والنقدي الساحق للفيلم، وتأشيرة عبور عادل إمام إلى سينما الأكشن الدرامي.
وفي فيلم "عصابة حمادة وتوتو" عام 1982 أثبت شنودة مرونته الشديدة، فبينما كان يصنع التراجيديا في "المشبوه"، قدم هنا موسيقى خفيفة، رشيقة، ومرحة تتناسب مع الطابع الكوميدي الساخر للفيلم.
وتوالت النجاحات ليصنع الثنائي معاً حقبة ذهبية امتازت بالجرأة والتجديد، ففي فيلم "الغول" (1983) صاغ شنودة موسيقى تتدفق غضباً وألماً، لتعبر عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي جسده عادل إمام في شخصية الصحفي "عادل عيسى"، فكانت النغمات بمثابة صرخة في وجه الظلم الدرامي داخل الأحداث.
ثم جاء "الحريف" (1984) تحت قيادة المخرج الواقعي محمد خان، حيث قدم هاني شنودة واحدة من أجرأ تجاربه الموسيقية واعتمد على الإيقاعات الإلكترونية والآلات الحديثة الممتزجة بنبض الشارع، لتعكس حالة الضياع والتمرد التي عاشتها شخصية "فارس" لاعب الكرة، وهو العمل الذي اعتبره النقاد سابقاً لعصره بمراحل.
وإذا ذكر اسم هاني شنودة وعادل إمام، تقفز فوراً إلى الأذهان تلك المقطوعة الملحمية الخالدة لفيلم "شمس الزناتي"، حيث استطاع شنودة في هذا الفيلم دمج الموسيقى الغربية الملحمية المستوحاة من أفلام الغرب الأمريكي بروح شرقية مصرية خالصة لتناسب أجواء الواحات والبطولة والصداقة. وتحولت هذه الموسيقى التصويرية إلى أيقونة حية في الوجدان العربي، ولا تزال تُعزف في الحفلات الكبرى وتُسمع عبر المنصات الرقمية حتى يومنا هذا، كشاهد على عبقرية موسيقية لم تتكرر.
وفي لقاءاته التلفزيونية المتأخرة، كان الراحل هاني شنودة يتحدث دوماً عن عادل إمام بكثير من الفخر والمحبة، مؤكداً أن "الزعيم" كان يمتلك حساً موسيقياً رفيعاً، وكان يطلبه بالاسم في أعماله، لأنه يعلم أن موسيقى شنودة لا تسير خلف الصورة، بل تصنع دراما موازية وتعمّق الإحساس بالمشهد.